علي الهجويري

419

كشف المحجوب

القهر واللطف والفرق بينهما اعلم أن هذين الاصطلاحين يستعملهما الصوفية عندما يشيرون إلى أحوالهم القهر هو ما يمدهم الله به في فناء إرادتهم وحفظ النفس من الوقوع في أهوائها ، واللطف يعنون به معونة الله تعالى في بقاء قلوبهم ودوام مشاهدتهم وتأبيد وجدهم في مقام الاستقامة ، فأهل اللطف يقولون إن الكرامة هي نيل المراد والآخرون يقولون : إن الكرامة هي أن يحفظ الله تعالى الإنسان بإرادته من إرادة نفسه وبقهره بمراده حتى إذا كان الإنسان عطشا ووقع في نهر لجف ذلك النهر . يروى أنه كان ببغداد رجلان كاملان أحدهما صاحب قهر والآخر صاحب لطف ، وكانا دائما المعارضة بعضهما لبعض فكل منهما فضل حاله على حال الآخر ، فإذا قال صاحب اللطف اللطف أفضل لقوله تعالى : اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ « 1 » رد الآخر بل القهر لقوله تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ « 2 » وطالت هذه المناقشات حتى صادف أن سافر صاحب اللطف إلى مكة وتغلغل في الصحراء فلم يصل إلى وطنه ، ولم يسمع عنه شيء لمدة سنين . وبعد أيام رآه مسافر بين مكة وبغداد فقال له يا أخي إذا رجعت إلى العراق قل لصاحبي بالكرخ أنه إذا أحب أن يرى الصحراء بكل ما فيها من المتاعب ككرخ بغداد مع ما فيه من البهجة فليأت إلى هنا ، لأن هذه الصحراء هي كرخ لي ، فلما أتى المسافر إلى الكرخ بلغ وصية الدرويش إلى صاحبه فقال له قل له عند عودتك إنه لا فضل في كون الصحراء صارت كرخا له لكي لا يفر من حضرة الله تعالى ، وأما الفضل كل الفضل فهو بلا شك في الكرخ

--> ( 1 ) سورة الشورى آية 119 . ( 2 ) سورة الأنعام آية 64 .